الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
316
الأخلاق في القرآن
تعليمات الإسلام ، كانوا على علاقةٍ سريّةٍ بالأعداء . وقد جاء في شأن النّزول للآيات الأولى من هذه السّورة الشّريفة ، وقبل فتحِ مكّة المشرّفة أنّه كتب أحد الأشخاص ، اسمه « حاطِب بن أبي بلتعة » ، لكفّار قريش رسالةً سلّمها بيد إمرأةٍ ، اسمها « سارة » ، حذّرهم فيها ، من أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، يعدّ العدّة لفتح مكّة ، فعليهم أنّ يستعدّوا لِلقتال ، فإنّ الرّسول الأكرم صلى الله عليه وآله ، قادم . حدثِ هذا الأمر ، والرّسول الأكرم صلى الله عليه وآله ، يتهيأ ويعدّ العدّة ، وهو يسعى حثيثاً لِئَلّا يصل هذا الخبر إلى المشركين ، حرصاً منه على أن لا تُراق في ذلك دماءٌ كثيرةُ ، وأن يتمّ الفتح بدون مقاومة ، فأخذت هذه المرأة الرّسالة ، وأخفتها في جَدائلها ، وتحرّكت مسرعةً نحو مكّة . فأخبر الأمين جبرائيل عليه السلام ، الرّسول الأكرم صلى الله عليه وآله بالخبر ، فأرسل على أثرها الإمام علي صلى الله عليه وآله ، وقال لها : أخرجي ما عندك ، فأنكرت في البداية ، ولكنّها استسلمت أخيراً تحت واقع التّهديد بالقتل ، وسلّمت الرّسالة لِعلي عليه السلام ، وهو بدوره سلّمها لِلرسول الكريم صلى الله عليه وآله . فأمر صلى الله عليه وآله بإحضار حاطِب ووبّخه كثيراً ، فإعتذر حاطب عن فعلته بأعذارٍ واهيةٍ ، لكنّ الرسول صلى الله عليه وآله قبلها صوريّاً ، فما ورد في الآيات الأولى ، من السّورة هو تحذيرٌ للمسلمين ، لاجتناب مثل هذه الأعمال ، وبيان واحدٍ من الأصول والمباديء الإسلاميّة المهمّة ، على مستوى التّبري من الأعداء وموالاة الأولياء ، أو كما قِيل : « الحُبُّ فِي اللَّهِ وَالبُغْضُ فِي اللَّهِ » . وفي بداية السّورة ، تحرّكت الآية الكريمة لتخاطب جميع المؤمنين ، من موقع التّحذير ، من إقامة العلاقة الودّية والعاطفيّة مع الأعداء ، وقالت : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ » . ونعلم أنّه عندما تتقاطع أواصر « المحبّة والصّداقة » مع أواصر « « العَقائد والقِيم » ، فالنّصر سيكون حليف أواصر المحبّة والصّداقة ، على حساب اهتزاز العقيدة ، وبذلك ينحدر الإنسان في خطّ البّاطل ، فما نراه من التّأكيد على : « الحُبُّ فِي اللَّهِ وَالبُغْضُ في اللَّهِ » ، أو تولّي الأولياء والتّبري من الأعداء ، نابعٌ من هذا الأساس . ثمّ تستمر الآيات ، « وبالذّات في الآية الرابعة » ، على حثّ المسلمين على الاقتداء بإبراهيم